أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
573
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
يداوم على العمل ، ولا يتكل عليه ، فإنه إن لم يقدر على مداومته بالفعل ، فبالمحبة والعزم كما بين ذلك في المناجاة الخامسة عشرة بقوله : 358 - إلهي إنك تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما ، فقد دامت محبة وعزما . قلت : طاعة العبد لربه يجب أن تكون فعلا ومحبة وعزما في كل لحظة ووقت ، فإن لم يقدر على ذلك فليعزم على البر والتقوى ، وينو فعل الخيرات ، فنية المؤمن خير من عمله إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [ الأنفال : 70 ] أي يعطيكم أفضل مما أخذ منكم من مال أو عمل . وقال بعضهم : الفعل الجزم هو وجود العمل والمحبة ، والعزم هو التوجه للعمل ، وكم من متوجه لم يلحق ؟ وكم من مجد لم يسبق ؟ ولكن في العزم ظهرت الحقائق وبه جاءت الشرائع ، وليس على العبد إلا القصد والجد والعزم ، وأما نفوذه فقد يقدر وقد لا يقدر وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] ، والمراد بالعزم : القصد ، والنية هي توجه القلب للأمر المطلوب ، انتهى . واعلم أن متابعة العلم اختيارية ، ومتابعة الحال اضطرارية ، فما دام العبد معه بقية اختيار وجب عليه اتباع العلم وهو مقام السلوك ، فإن غلب الحال وجب اتباعه ، وهو مقام الجذب ، ومثل ذلك قضية الصدّيق حين أتى بماله كله فقال له الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما تركت لأهلك ؟ فقال : تركت لهم اللّه ورسوله « 1 » » . ولم يلتفت لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في حال التشريع : « لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس « 2 » » . ولما غلب الحال على العلم صار الحكم للحال ، فياله من مقام ما أعز شانه
--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ( 2 / 65 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 435 ) ، ومسلم ( 3 / 1251 ) .